أكاديمية 15 مايو للهندسة
أكاديمية 15 مايو للهندسة

أول منتدي هندسي ترفيهى رياضي أجتماعى سياسي خاص بلامعهد العالي للهندسة بمدينة 15 مايو نرحب بكل الأعضاء والزوار وطلباتكم أوامر في كل المجالات هدفنا اننا نفيد ونستفيد يعنى متبخلش علينا بمعلومة عشان محدش يبخل عليك بمعلومة وربنا يوفقنا يارب


أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

النسق

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

1 النسق في الجمعة أكتوبر 30, 2009 8:02 am

Admin

avatar
Admin
* في البداية ما هو النسق الايكولوجي؟
في الحقيقة لكي نفهم ماذا يعني النسق الايكولوجي لا بد لنا من تحديد معنى النسق اولا.
النسق System في المعنى اللغوي العام مفردة تدلل على الاتساق والانتظام والترتيب. أي انتظام عناصر الموضوع بترتيب واتساق. وبكلام آخر فان تعبير النسق يشير الى ان الحقائق والمفردات والنشاطات او العناصر المكونة للمادة او الموضوع يتصل بعضها ببعض بتوافق وترتيب منتظم يدلل على الاتساق والتكامل بنيويا ووظيفيا.
والنسق في المعنى التحليلي عبارة عن مجموعة من الكيانات antities والعلاقات التي تربط هذه الكيانات. فالنسق الاقتصادي مثلا يشتمل على عدد من الكيانات الفرعية المترابطة مثل (الصناعة، الانتاج، الخدمات، الادارة، التوزيع، السيطرة النوعية...الخ) اما العلاقات بين تلك الكيانات فيعبر عنها بالتفاعلات بين تلك الكيانات.
ولان تعبير النسق يتميز بدرجة عالية من الاتساق والترتيب والنظامية فانه يستخدم في استخدامات تختلف نسبيا عن استخدامات لفظ النظام، ولذلك فان استخدام مفردة النسق تكثر في العلوم الطبيعية والبيئية والاحيائية التي تتميز عناصر مكوناتها بكونها اكثر آلية في حركتها واكثر اتساقا وترتيبا systematic من الحقائق او العناصر او الاجزاء في العلوم الانسانية والاجتماعية التي يكون للانسان دخل في ترتيب عناصرها او اجزائها الداخلية.
واستنادا لهذه الحقيقة فان مفردة النسق تستخدم بكثرة في علوم الانسان (الانثروبولوجيا) وعلم التبيؤ البشري (الايكولوجيا البشرية)، في الوقت الذي يميل فيه المتخصصون في علوم الاجتماع والسياسة والاقتصاد الى استخدام لفظة النظام في طروحاتهم انطلاقا من حقيقة مركزية ترى ان الظواهر (البيئية والتبيؤية) وعناصر المجتمعات البسيطة والبدائية التي تتوجه نحوها الدراسات الانثروبولوجية اكثر اتساقا (systematic) في بناءات ووظائف عناصرها الداخلية من الظواهر التي يتوجه نحوها علم الاجتماع والعلوم الاجتماعية الاخرى.
اما الايكولوجيا ـ الذي يعد حقلا حديثا في منظومة علوم الانسان ـ والمجتمع ـ فانه حقل يهتم بالدراسات التي تعنى بشؤون البيئة الطبيعية بشكل عام ـ وان كان هذا الاستخدام غير دقيق ـ لان العلم الذي يعنى بالبيئة الطبيعية يجب ان يكون
The sciense of enviroment
وليس (Ecologty الايكولوجيا). ذلك ان الايكولوجيا كمفردة لغوية علمية مشتقة اصلا من لفظين احدهما يشير الى العلم (logy) والاخر ( oikos) يعني: منزل او بيت في اللغة اللاتينية، ولكنه لا يشير الى المنزل او البيت كبناء او هيكل مادي فقط وانما يشير ايضا الى كل الفعاليات والنشاطات والوظائف التي تجري في البيت او داخل هذا الهيكل المادي.
ولذلك فانا شخصيا لا اميل الى ترجمة مفردة الايكولوجيا الى علم البيئة كما يذهب لذلك علماء البيئة والطبيعة والاحياء، بل ارى ان تترجم الى (علم التبيؤ) لما في الترجمة من دلالات تشير الى التأثير المتبادل بين مكونات هذا البيت او البناء. فالايكولوجيا اذن هي علم البيئة والنشاطات التي تتم في البيئة. ودون شك فان الانسان والكائنات الحية الاخرى، بل الجزيئات والذرات الموجودة في أية مادة او مساحة او حيز مكاني انما تتفاعل فيما بينها بحيث يترك احدهما اثرا في الطرف الآخر وفي الحيز المكاني الذي تشغله. كما ان الحيز المكاني بدوره يترك اثرا على شاغليه.
خلاصة القول ان مفردة النسق الايكولوجي Ecosystem انما تشير الى تلك الوحدة او المقطع الذي يتوجه نحوه الباحث بالدراسة. ولا شك ان هناك فرقا بين النسق الايكولوجي في مجال الدراسات الطبيعية والحيوية (بيئة طبيعية، نبات، حيوان) وبين النسق في مجال الدراسات الاجتماعية والانسانية على نحو ما سنتكلم عنه لاحقا.
وعموما ان النسق الايكولوجي انما يشير الى أية وحدة تنظيمية مكانية تضم كائنات حية ومواد غير حية في حالة تفاعل وبحيث يؤدي تفاعلها الى تبادل للمواد بين الاجزاء الحية والاجزاء غير الحية.
*هل هناك فصل بين الجغرافية واهتماماتها المكانية وبين الايكولوجيا؟
ـ في الحقيقة ان واحدة من اكبر الاشكالات التي يتعرض لها الحقل الايكولوجي في بعده الانساني. هو ذلك الاشكال الناتج عن التداخل بين حقل الايكولوجيا البشرية من جهة وبين حقول كل من الجغرافية وعلم الاجتاع والبايولوجيا من جهة اخرى. اذ ما زال التمييز بين اهتمامات كل من تلك الحقول يعاني من قصور في الفهم وفي ادراك الحدود الفاصلة على نحو دقيق. وهذا يعود في جزء منه الى حداثة (علم التبيؤ البشري) او (الايكولوجيا البشرية) من جهة، والى التداخل بين الخطوط الفاصلة بين تلك الحقول والاهتمامات. كما يعود من جهة ثانية الى ان حقل الايكولوجيا البشرية قد استعار اغلب مفاهيمه من حقول المعرفة البايولوجية والاحيائية، واذا كان لا بد من اجمال بعض من تلك الفروق على عجالة فاني استطيع القول، ان الجغرافية البشرية والديموغرافية حقلان معرفيان يهتمان بدراسة حجم وتوزيع وتركيب السكان وتوزيعاتهم المكانية والتغيرات الزمانية والمكانية التي تطرأ على تلك المتغيرات. بينما ينصب اهتمام الايكولوجيا البشرية نحو تلك العوامل باعتبارها متغيرات تعمل على ظهور مناطق طبيعية تشكل بمجموعها الكيان المادي للوسط المكاني. ثم ان الكيانات المادية للاوساط المكانية (مثل المجتمعات المحلية والمجتمعات الحضرية) تشكل وحدة تكافلية Symotic تنشأ من خلال المنافسة الناتجة عن ارتباط الافراد ببعضهم بسبب ظروف المعيشة المشتركة التي تقوم على التخصص وتقسيم العمل. الى جانب العمليات الايكولوجية الاخرى كالمناقسة والعزل والغزو والتعاقب ولعل من الضروري ايضاح معنى التكافل كعملية ايكولوجية لان هذا المفهوم يشكل العمود الفقري الذي تستند عليه الدراسات الايكولوجية والذي من خلاله يمكن التمييز بين حقول المعرفة المتشابكة.
التكافل في المعنى الايكولوجي البسيط يعني تبادل المنفعة والخدمات. والتكافل عملية تطبق على كل العمليات والعلاقات التي تربط الكائنات الحية ببعضها وعلى توزيعاتهم المكانية ايضا. ومع ان عمليات التكافل تتشابه في جوهرها عند كل الكائنات الحية، الا ان التكافل في المجتمع البشري يختلف عن مبدأ التكافل في المجتمعات الاحيائية الاخرى ( الحيوان والنبات) لانه يستند على اختلافات الرس والثقافة والمنزلة الاقتصادية والدين والعقيدة. فالحقيقة التي جعلت من الانسان حيوانا ثقافيا لع القدرة على تطبيع بيئته وفقا لمتطاباته وعاداته الاجتماعية هي التي جعلت من ظواهر تقسيم العمل عناصر اساسية تقرر نمط تجمعاته.
وقد كان ارنست برجس كأحد رواد الحقل الايكولوجي واضحا في تمييزه بين العمليات التكافلية في مجتمعات الكائنات الحية بقوله (ان التنظيم المكاني للمجتمعات البشرية لا يفهم ايكولوجيا الا من خلال تحليله على مستويين احدهما حيوي احيائي Biotic والثاني ثقافي اجتماعي Cultural. الأول تسيطر عليه عمليات المنافسة والثاني يوجهه مبدأ الاتصال والتطابق. في حين يتحكم في عوالم الاحياء الاخرى مبدأ التكافل في بعده الاحيائي فقط.
وعلى هذا الأساس ايضا ميز برجس بين التفعل الايكولوجي باعتباره تفاعلا شبه اجتماعي Sub social يلعب فيه المكان دورا مميزا، وبين ان التفاعل الاجتماعي لا يشترط ان يراعي البعد المكاني باعتبار التفاعل الاجتماعي اهتماما دراسيا من اهتمامات علم الاجتماع.
* أين تجد تأثيرات النسق الايكولوجي على الشخصية العراقية؟
ـ لا شك ان الاجابة عن هذا السؤال لها ارتباط بالاجابة عن السؤال السابق. فالشخصية كما هو معروف نتاج لعدة مؤثرات وعوامل متداخلة يصعب الفصل بينها. لعل العامل البيئي واحد من اهم تلك العوامل. وفي الحقيقة فان هناك الكثير من الكتابات التي تناولت تأثير العامل البيئي من خلال المقارنة في نمط الشخصية بين بيئتين متمايزتين، لعل أوضحها تلك المقارنات بين الشخصية العراقية والشخصية المصرية في بعض جوانب السلوك الاجتماعي وسمات الشخصية. وانا وان كنت لا اختلف مع اغلب تلك الطروحات الا اني اعترض على تلك المقارنات في تسميتها (الشخصية العراقية والمصرية) وأميل الى استخدام لفظ (الشخصية الرافدينية والشخصية النيلية) بدلا من (الشخصية العراقية والشخصية المصرية ) لان المقارنة البيئية تلك لم تأخذ بنظر الاعتبار المتغيرات التاريخية والسياسية عبر العصور المختلفة التي ادخلت على تأثير العوامل البيئية بعضا من التحويرات.
وعموما فاني سوف استعرض نصا كثيرا ما استشهد به الكتاب للتدليل على ما اقول:
يقول المهندس وليم ويلكوكس الذي عاش في مصر والعراق (ان النيل اكثر انهار العالم اتزانا فانه ينذر بارتفاعه وانخفاضه قبل مدة مناسبة، ولا يسلك سلوكا مفاجئا، ويحمل من الغرين في فيضانه ما يكفي لتطييب الارض دون ان يؤدي ذلك الى طمر القنوات، كما انه بحد ذاته خال من الاملاح، ويفيض عادة في أشهر آب وأيلول وتشرين اول من كل سنة مؤمنا بذلك ارواء المزروعات الشتوية والصيفية على السواء، ويجري بين رواب من الحجارة الرملية والكلسية التي تجهز منها المواد الانشائية بكثرة. اما دجلة والفرات فانهما يرتفعان بدون انذار سابق وسلوكهما على الدوام مفاجئ ويحدث فيضانهما في آذار ونيسان وايار، وهذا موسم متأخر جدا بالنسبة للمزروعات الشتوية ومبكر جدا بالنسبة للنباتات الصيفية، ويحتويان على كمية من الاملاح المحلولة ويجريان بين صحارى جبسية واراض مالحة.
ويضيف ويلكوكس (ان ارض العراق اشد انحدارا من ارض مصر. ففي مصر يبلغ انحدار الارض قدما واحدا في كل ميل بينما في العراق يبلغ خمسة اقدام في الميل الواحد، وان شدة الانحدار في الارض تؤدي الى قوة جريان الانهر فيها، الأمر الذي يعني ان الانهر ذات قدرة عالية وكبيرة على كسر السدود واجتياح الاراضي الزراعية المجاورة، ولذلك يعمل الفلاحون على انشاء السدود والحواجز على ضفاف الانهار لكي يدرؤوا خطر الفيضان، لان حدوث أية ثغرة يعني كارثة عظيمة)).
واستطيع ان اضيف لذلك تأثير الفروق في الوقائع المناخية بين البيئتين على السلوك الفردي الذي يتميز بالتطرف، حيث يتميز مناخ بلاد الرافدين باتساع المدى الحراري في اليوم الواحد و بين الفصول الأربعة ما بين ارتفاع شديد وانخفاض شديد فيما لو قورنت بالظروف المناخية في بلاد وادي النيل التي لا تعرف هذا التطرف في الفرق بين المدى الحراري.
ولا شك ان المؤشرات التي اسلفنا ذكرها كتحديات بيئية تتطلب استجابات عالية بعضها اجتماعي يبدو في سلوكيات الافراد وبعضها مجتمعي يتطلب استجابات على مستوى مؤسسي.
ان اختلاف ايقاع الحدث الرافديني المضطرب عن ايقاع الحدث النيلي الرتيب تترتب عليه انعكاسات لا على مستوى الافراد والجماعات وطابع الشخصية فحسب، ولكن على مستوى الانساق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية. ولعلنا نستطيع المقارنة ببساطة بين سلوكيات المجتمع العراقي / الرافديني وبين سلوكيات المجتمع المصري / النيلي اثناء فترات الازمات التي يمر بها المجتمعان دون ان ننسى ما سبق ان اشرنا له من تأثير للمتغيرات التاريخية والسياسية والديموغرافية وغير ذلك من مؤثرات.
ولذلك استطيع القول ان الشخصية الرافدينية شخصية (قلقة مضطربة متطرفة حذرة) ولكن قلقها قلق وادع واضطرابها اضطراب منتج واستجاباتها استجابات مبدعة وتطرفها قاس لا يعرف الوسط، اما ثورة وتمرد وعصيان او خضوع وسكون وخنوع، وهذا لا يعني تلك السمات والصفات والقدرات تبدو على وتيرة واحدة عند كل الافراد لان هناك عوامل اخرى لها دخل في رسم معالم الشخصية بعضها بايولوجي وبعضها نفسي وبعض اخر اجتماعي.
ويبدو ان انعكاسات الواقع البيئي على ابعاد الشخصية قد امتدت لتطول النسق الثقافي والديني ايضا فلو استعرضنا ملحمة كلكامش الرافدينية مثلا لادركنا البعد الصراعي والاضطرابي واضحا فيها، اذ ان بعضا من مفرداتها تشير الى ان الوجود برمته يعيش على التوازن في بحر من صراع، ولكنه صراع اخلاقي منتج تتعاضد فيه الحكمة مع القوة لانتاج صيرورات الحياة.
اضطرب الماء..... امتزج العذب بالمالح..... فولد الكون. من الزبد كانت الارض، من الامواج كانت الجبال، وما تطاير من الماء.... ارتفع سماء فوق سماء.
هذا هو تصور الرافديني عن ولادة الحياة والكون.. ولكن الهندي الاحمر ـ كما تدل على ذلك قراءة الكتاب المقدس لقبائل (الكيتشا ـ مايا) لم يتصور الكون الا ساكنا صامتا بلا حراك، قبل ان تصدر الالهة قرارها ببدء الحياة.
ولا شك ان هناك ادلة كثيرة للتدليل على ذلك.
* هل تشير قلة الدراسات الايكولوجية حول الشخصية العراقية الى ان الشخصية العراقية لم تدرس مكانيا كما فعل جمال حمدان في (شخصية مصر)؟
ـ مع كل تقديري واعجابي بما كتبه الاستاذ حمدان حول الشخصية، الا ان هناك عددا لا بأس به من الدراسات التي تناولت الشخصية المصرية ومن زوايا مختلفة. ثم ان الاستاذ جمال حمدان لم يتناول الشخصية في بعدها الايكولوجي تحديدا، وانما كان باحثا جغرافيا مبدعا متأثرا في تحليله بالمكان الجغرافي وليس بالمكان الايكولوجي.
وعراقيا فان الشخصية العراقية قد خضعت للتحليل ايضا من زوايا متغايرة، لعل اشهرها كتابات استاذنا المرحوم علي الوردي التي غلب عليها الطابع التاريخي والأثر الخلدوني. ومع ذلك الاسهام الرائع وغيره من الاسهامات، الا اني لم الاحظ من الطروحات ما ذهب في التحليل منحى ايكولوجيا الا ماندر. وهذه كانت اشارات متناثرة وفي توجهات معرفية عديدة اغلبها ينتمي الى حقل الجغرافية او الاثار او التاريخ وربما في بعض الاحيان
الى حقل الانثروبولوجيا، الذي يذهب المتخصصون فيه الى التعامل مع النسق الايكولوجي كجزء من البناء الاجتماعي الكلي في حين يتعامل البعض الاخر
مع النسق الايكولوجي تعاملا
استقلاليا.
لقد حاول المرحوم الوردي سبر غور الشخصية العراقية من خلال ثلاثة (مجسات) استنبطها من ثلاث نظريات معروفة في علم الاجتماع (صراع البداوة والحضارة) و (صراع القيم والسلوك)
و( الفجوة الثقافية).
*هل هناك نسق ايكلولوجي واحد في العراق؟
ـ المشكلة ان الاجابة عن هذا السؤوال يجب ان تستند الى تعريف النسق الايكولوجي الذي يعني كما اشرنا (أية وحدة تنظيمية مكانية تضم كائنات حية واخرى غير حية في حالة تفاعل بحيث يؤدي تفاعلها الى تبادل للمواد بين الكائنات الحية والكائنات غير الحية).
وانطلاقا من هذا التعريف فان النسق الايكولوجي مفهوم مرن مطاط يمكن ان يشمل في التحليل جماعة صغيرة مستوفية للشروط اعلاه، كما يمكن ان يعتبر الكون باسره نسقا ايكولوجيا. ولذلك فاننا يمكن ان نعتبر العراق باسره نسقا ايكولوجيا، كما يمكن ان يتجزأ هذا النسق الكلي الى انساق ايكولوجية فرعية (Sub ecosystem). ومن هنا فان الدراسات الايكولوجية وثيقة الصلة بمنهج تحليل النظم الذي يستخدم في علوم عديدة كالاقتصاد والادارة والسياسة والاحصاء والصناعة...الخ.
وعموما فان التعامل الايكولوجي مع الشخصية العراقية يمكن ان ينطلق في التحليل من مستويات متباينة عديدة (مكانيا، عرقيا، دينيا، طائفيا، طبقيا، ايدولوجيا.....الخ.) شرط الالتزام بالحدود الضابطة التي يعرف بها النسق بنائيا ووظيفيا.
وبهذا الصدد لابد ان اشير الى ان ظروف البيئة والعوامل الايكولوجية في العراق تركت بصماتها على سمات وخصائص بل قدرات الشخصية العراقية بايقاعات مختلفة حسب البيئات والمناطق والاوساط والتكوينات العشائرية، وحتى حسب طبيعة حقل العمل او النشاط المهني. واستطيع الاشارة هنا على عجالة الى ان بيئات العشائر العراقية التي تشتغل بالزراعة تختلف في نظم معيشتها طبقا لطريقة الري التي يروون بها مزروعاتهم، الامر الذي يتسبب في ظهور تنظيمات اجتماعية مغايرة وانماط من الشخصية تختلف من بيئة لاخرى. فزراع الفواكه والتبوغ في جبال كردستان لهم نمط من الشخصية يغاير النمط الذي يتسم به زراع الحنطة والخضروات في البوادي والسهول.كما ان نمط شخصية العراقي الذي يزرع الشلب في مناطق الفرات الاوسط يختلف عن نمط شخصيات فلاحي البساتين في بغداد وديالى ووسط العراق التي بدورها تغاير نمط شخصيات مربي الجواميس وصيادي الاسماك في
مناطق الاهوار وعن نمط شخصيات
رعاة الابل والاغنام والشاوية في البوادي والصحراء.. وهكذا على ان هذا لا
يعني باي حال من الاحوال ان ليس
هناك خصائص وسمات عامة
مشتركة.
* لماذا لم تأخذ الدراسات الايكولوجية حيز الاهتمام في الجامعات العراقية؟
ـ في الواقع ان ذلك يعود لسببين اساسيين: اولهما حداثة حقل الدراسات الايكولوجية في بعدها الانساني، حيث لم يمض اكثر من ثلاثة ارباع القرن عندما توجه اساتذة جامعة شيكاغو وتلامذتهم لدراسة المدن والمجتمعات دراسة ايكولوجية ولا شك اننا لم نزل دون مرحلة التطور الاكاديمي عالميا.
والسبب الثاني يعود الى غلبة التصورات والاهتمامات البيئة والبايولوجية على حقل الدراسات الايكولوجية. وهذا يعود طبعا الى ان الحقل الايكولوجي قد نشأ اساسا في حضن الدراسات الاحيائية (الحيوان والنبات) ومنها انتقل الى حقل الدراسات الانسانية.
*هل هذا يشير الى وجود فاصل على مستوى الانجاز البحثي وحركة المجتمع؟
ـ في الحقيقة ان الفجوة بين مستوى الانجاز البحثي وحركة المجتمع لا تبدو فقط على مستوى المشهد الايكولوجي بل تظهر ايضا على مستوى الانجاز الاكاديمي بشكل عام. واذا جاز لنا ان نجد تبريرا فيما يتعلق بالبحث الايكولوجي فان العذر بشأن الانجاز الاكاديمي يبدو
غير منطقي خصوصا اذا تعلق الامر بالبحوث الاجتماعية التي يفترض ان تنشط لتواكب التحولات الاجتماعية المتسارعة.
فالمشهد الاكاديمي لم يعد اكاديميا كما عهدناه في الخمسينيات والتسينيات من القرن الماضي، بل انه قد تحول الى مركز لترسيخ عوامل التخلف الفكري وتعزيز عوامل التردي في المجتمع.
لقد تعرض الحقل الاكاديمي في العراق خلال سنوات التسعينيات الى نكسة يصعب تجاوز اثارها وهي فترة من احرج الفترات في عمر التعليم الجامعي في العراق، وذلك بسبب السياسات الخاطئة والمقصودة التي انتهجها النظام السابق في بناء الوسط الاكاديمي ورفده بعناصر غير مؤهلة معرفيا او فكريا ولكنها تمتلك القدرة على الزعيق والنفاق خصوصا بعد ان اضطرت اغلب العناصر الكفوءة الى ترك الساحة الجامعية والرحيل فتحول الوسط الجامعي الى وسط نفعي وصولي مليء بعناوين دون مضامين. وقد سبق لي ان اشرت بوضوح الى السلبيات التي تعترض مسيرة التعليم العالي في العراق في حلقة نقاشية نشرت وقائعها في مجلة دراسات اجتماعية قبل سقوط النظام. كما اوضحت جوانب الخلل في الاعداد الاكاديمي في حقل الدراسات الاجتماعية في بحث القي من على منبر بيت الحكمة قبل احداث نيسان 2003.
لقد عمل النظام السابق خلال اكثر من ثلاثة عقود على استبعاد العناصر التي لم يستطع ضمان ولائها او تحييدها في الاقل مع تطعيم قطاع التعليم العالي بعناصر مضمونة الولاء دون مراعاة لمضامين العلم او الكفاءة.
فكيف تحول هذا الرهط بين ليلة وضحاها الى تربويين صالحين لاعداد جيل قادر على بناء عراق جديد. انا اعتقد ان الوسط الاكاديمي ما زال يعج بالكثير من تلك العناصر التي اسهمت وما زالت تسهم في اعادة انتاج التخلف بعد ان امتهنت صناعة الدجل والرياء دون ان تكون قادرة على ربط الجامعة بالمجتمع وتقديم حلول ناجعة لمشكلات المجتمع وتشكيل وعي اجتماعي صادق عند الجمهور.
وفي الحقيقة ان الخلل الاساسي في مسيرة التعليم العالي في العراق انما يكمن في مسألتين اساسيتين: اولهما ان سياسة التعليم العالي لا تاخذ بنظر الاعتبار الفرق بين صناعة الافكار ونقل الافكار ولذلك فانها تعد المدرس الاكاديمي ليكون ناقلا للأفكار وليس صانعا لها الامر الذي يترتب عليه ان المدرس الجامعي سيصبح عنصرا ببغاويا ينقل للطلبة افكارا قالها الآخرون دون ادراك لمضامين تلك الافكار وبذلك يتحول الطالب الى عنصرمقلد وليس عنصرا ابداعيا قادرا على توليد الافكار او صناعة افكار جديدة متطورة.
اما الخلل الثاني فيكمن في وضع العربة قبل الحصان رغم ان العربةخالية اصلا وان الحصان غير قادر على العدو. ويتوضح ذلك من تشجيع التهافت على الكليات والمراكز التدريسية واعطائها مرتبة الافضلية في نظام التعليم الجامعي مبتعدين عن تشجيع حركة البحث العلمي والانخراط في مراكز بحثية التي يبدو ان نظام التعليم العالي والتدريسيين يولونها اهمية ثانوية على عكس ما هو حاصل في الدول المتطورة التي تولي حركة البحث العلمي اهمية متقدمة.
وقد اوضحت بعض التقارير الدولية ان الانفاق على التعليم لا يتناسب اطلاقا مع كفاءة التعليم ولا مع نوعية مخرجات العملية التعليمية ولا مع حاجة الوطن للتخصصات التعليمية التي يحشر فيها الطلبة حشرا، ولذلك فنحن بحاجة اكيدة الى اعادة نظر جدية في هيكلية التعليم العالي والى مراجعة نقدية لاجندات التعليم العالي والبحث العلمي الذي مازال يراوح في موضوعات اكل الدهر عليها وشرب ولا سيما في حقول المعرفة الانسانية والاجتماعية.
وفي اعتقادي اننا دون سياسة رشيدة ونظرة واعية دقيقة لمواقع اقدامنا في التعليم الجامعي ودون ربط المشهد الاكاديمي بالمشهد الاجتماعي سنظل نصفق لاخطائنا وسندفع النفعيين الى الاستمرار فيما يخططون والاستغراق في رؤاهم لتضليل المجتمع وتشكيل وعي اجتماعي زائف عند الجمهور.
* سمعنا انكم تعدون كتابا عن مدينة بغداد ، هل بالامكان اعطاؤنا فكرة حول هذا الكتاب؟
ـ مع ان الجواب سابق لاوانه وان الموضوع ما زال في البدايات الا ان الفكرة التي استطيع ان اقدمها على عجالة ان مشروع الكتاب يستند الى محاولة بسيطة لاستقراء واقع البناء الايكولوجي لمدينة بغداد وقراءة انماط تنظيماتها الايكولوجيةعبر المراحل الزمنية لمسيرتها منذ ايام تاسيسها عام 762م حتى اواخر سنوات القرن العشرين مع محاولة استعراض المشكلات التي تربك البناء الايكولوجي للمدينة ومحاولة اعادة تنظيم المدينة بعد ان اختل كيانها ولم يعد سوى كيان عليل ينوء بالكثير من المعضلات ويحتقن بالكثير من التوترات في البناءات التحتية.
* متى نرى مطبوعات متخصصة
في الدراسات الايكولوجية في العراق؟
ـ رغم عدم وجود تيار اكاديمي ايكولوجي اجتماعي واضح المعالم، الا اني امل ان تكون حركة المجتمع المتسارعة والافرازات الاجتماعية التي افرزتها تلك الحركة دافعا نحو تنشيط حركة النشاط البحثي على مستوى الدراسات الاجتماعية الرصينة، واملي في همة الجيل الجديد يدفعني الى القول ان
القريب العاجل سيشهد نشاطا ملحوظا باذن الله.

http://hccae.dahek.net

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى